عدنان زرزور

94

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

يَسْئَلُونَكَ . . . أدركنا أهمية ذلك الوصف في تهيئة النفوس للتحريم ، لأن الأمر صار موضع سؤال المجتمع وحديثه . ثم نزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [ سورة النساء ، الآية 43 ] فحرّمت هذه الآية عليهم أن يصلّوا وهم في حالة السكر ، فكأنها وقتت تحريم شرب الخمر بوقت ليس بالقصير ، لأن أوقات الصلاة متقاربة لا يذهب خلالها أثر السكر ، فامتنعوا عن شربها سحابة النهار ، حتى إذا صلوا العشاء الآخر قارف الخمر من أراد ، وكأنهم في هذه المرحلة الثانية أعطوا الفرصة لتقوية العزيمة والإرادة على الكف والمنع المطلق - في الوقت الذي كان فيه الجانب التربوي الإيجابي يبنى باستمرار كما قلنا - . ثم نزل أخيرا قول اللّه تبارك وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) [ سورة المائدة ، الآيتان 90 - 91 ] . . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ؟ قالوا : يا رب انتهينا ، وتركوا الخمر ، وقاموا إلى ما في دورهم منها فأهرقوه في طرقات المدينة . . . . من أراد أن يقف على أثر هذا التدرج في التشريع ، أو هذه الحكمة من فوائد نزول القرآن منجما بوجه عام ، فليقارن فعل المجتمع الإسلامي هذا بفعل المجتمع الأمريكي يوم صدر عندهم « قانون المنع » المشهور ، والذي رد عليه الناس بمضاعفة الشرب ، ومن الأنواع الرديئة ، أضعافا مضاعفة . . روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عائشة قالت : « إنما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصّل ، فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أوّل شيء : لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا . ولو نزل : لا تزنوا ، لقالوا : لا ندع الزنا أبدا » « 1 » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري 6 / 101 باب تأليف القرآن .