عدنان زرزور
92
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
الكريم . فإذا ذكرنا أن ولادة هذه الأمة كانت من خلال تلك النصوص ، فلنذكر أن ذلك لم يتم في يوم وليلة ؛ بل تم خلال ما يقرب من ربع قرن كان القرآن الكريم فيها ينزل منجّما فيربّيها ويعدّها وينشئها . . بل يرسم للإنسانية على الدوام خطوات الصورة المثلى للبناء في الحاضر والمستقبل على حد سواء ؛ يقول الأستاذ سيد قطب - رحمه اللّه - : « لقد جاء هذا القرآن ليربّي أمة وينشئ مجتمعا ، ويقيم نظاما . والتربية تحتاج إلى زمن ، وإلى تأثير وانفعال بالكلمة ، وإلى حركة تترجم التأثير والانفعال إلى واقع . والنفس البشرية لا تتحول تحولا كاملا شاملا بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد . إنما تتأثر يوما بعد يوم بطرف من هذا المنهج وتتدرج في مراقيه رويدا رويدا ، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئا فشيئا ، فلا تجفل كما تجفل لو قدم لها ضخما ثقيلا عسيرا ، وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح بالتالي أكثر استعدادا للانتفاع بالوجبة التالية ، وأشد قابلية لها والتذاذا بها » . وقد تم هذا الإعداد الذي اقترن به عند المسلمين القول بالعمل بوسائل متعددة ، وأمور كثيرة تحتاج ملاحقتها إلى دراسات خاصة . ونشير هنا إلى نقطتين اثنتين : ( أ ) التربية من خلال الواقع ، وربط الأمور بأسبابها ومسبباتها ، وهذا أدعى إلى بيان مدى الواقعية في هذا الدين ، وأن أحكامه أحكام عملية لا نظرية . وأدعى - من وجه آخر - إلى الفهم والتذكر والمسارعة في التنفيذ ؛ قال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [ سورة البقرة ، الآية 219 ] . وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( 85 ) [ سورة الإسراء ، الآية 85 ] . وهذه امرأة ترفع إلى الرسول شكواها بأن زوجها ظاهر منها ؛ فينزل قول اللّه تعالى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 1 ) . . . [ الآيات في صدر سورة المجادلة ] .