عدنان زرزور
64
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
خطاب الإنسان ، ستحمل لنا المزيد من الأدلة ، وتصب في نهاية المطاف في هذا البحر المحيط . أولا - ظاهرة الوحي : ( أ ) مقدمة عن عالم الغيب : تمثل ظاهرة الوحي مبدأ اتصال عالم الغيب بعالم الشهادة - بحسب المصطلح القرآني عن الطبيعة وما وراء الطبيعة - كما يمثل الوحي ، مصدر المعرفة الإنسانية عن عالم الغيب ، في حين يشكل العقل - والحواس - مصدر هذه المعرفة عن عالم الشهادة . والأمر الجوهري الذي لا غنى لنا عن الإشارة إليه هنا بين يدي الكلام على ظاهرة الوحي أن الإيمان بعالم الغيب ليس خارجا عن نطاق القدرة العقلية ، فضلا عن أن يكون فيه مناقضة لهذا العقل أو خروج عن قوانينه الفطرية . إن في وسع العقل - بوصفه صاحب الدور الأول في إدراك عالم الشهادة « 1 » - أن يستدل بعالم الشهادة على عالم الغيب ، أو على رأس الإيمان بعالم الغيب ، وهو الإيمان باللّه تعالى ، ولا يكون العقل بذلك قد سلم بسر باطل أو عقيدة مستحيلة . نذكر هنا من القوانين التي تحكم عالم الشهادة ، والتي جعلها الفيلسوف الشهير « كانت » من جملة قوى العقل وقوانينه الفطرية ، قانون السببية أو العليّة الذي يملي فيه العقل البحث عن المؤثر عند حدوث الأثر ، وعن الصانع عند رؤية المصنوع . إن هذا القانون ، كما يتناول الظواهر الجزئية في الكون فيطلب لكل معلول علة ، ولكل مسبّب سببا ، يتناول من باب أولى مجموع الكون ككل ، فيتطلب بالبداهة نفسها علة وسببا لوجوده . وممارسة هذا القانون - قانون العلية - وتطبيقه على الكون ككل ، وطلب علة له بجملته واقع في دائرة القدرة العقلية بدون
--> ( 1 ) الحواس هي منافذ للمعرفة ، والعقل هو الذي يقف وراءها فيجعل من إحساساتها إدراكات أو معارف حقيقة ، بمعنى أنه ينقلها من الغرائز والانعكاسات التي يشترك فيها سائر الحيوانات التي تملك مثل تلك الحواس .