عدنان زرزور

65

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

شك ، لأن عالم الحس كما يشمل المحسوسات الجزئية فإنه يشمل المحسوس العام الأعظم وهو العالم . . بل إن العقل « مضطر » إلى هذا الطلب . . . صعدا من طلبه علة لكل شيء جزئي محسوس « 1 » . يضاف إلى ذلك أن العقل الإنساني نفسه لا يقنع بكل ما جمعته البشرية من علوم وفنون ومتع بدنية وعقلية فيستغني بها عن طلب تفسير لهذا الكون ، أو عن دوره هو فيه ومصيره من بعده ؟ ! وسوف يبقى أمام هذا العقل في طرفي الوجود ، وهما المبدأ والمصير ، أو المصدر والغاية ، شيء لا تفسره المعارف العلمية بوجه من الوجوه . نعود من هذا إلى القول إن التسليم بعالم الغيب ليس خارجا عن نطاق العقل ، بل إن العقل نفسه يدل على ساحة هذا العالم ، كل ما في الأمر أنه يعجز عن اقتحامها أو معرفة كنهها بوسائل عالم الشهادة - العقل والحواس - . وهنا يأتي دور الوحي الذي يعرّف الإنسان بحقيقة هذا العالم ، ويقفه على طبيعة الصفات الإلهية ، ويرسم له طريق الحياة الأمثل . . . إلى غير ذلك من موضوعات الوحي . فاعجب بعد ذلك لمن يقدم على إنكار عالم الغيب أو ما وراء الطبيعة بحجة عدم دخوله تحت سلطان الحسّ والمشاهدة ! ! وإذا تركنا الحديث عن الوعي بوجود اللّه تعالى - أساس الإيمان بعالم الغيب - وأن هذا الوعي يخالط كل نفس إنسانية ،

--> ( 1 ) يمكن القول هنا باختصار : إن وجود الكون يحتاج إلى تعليل ، وحركته وارتباط أجزائه واقتران أسبابه بمسبباته وانتظام قوانينه وسننه يحتاج إلى تفسير . وهل يصدق العقل أن القوة التي تدفع كل جزء في الكون في وجهتها ، وكل حادثة في خط سيرها بحيث يتكون من المجموع كلّ متناسق متكامل في عالم الجماد وفي عالم النبات وفي عالم الأحياء . . . إلخ ، هل يصدق العقل أن هذه القوة قوة ذاتية عمياء ! ألا يثير موضوع « الخلق » من عدم نظر الإنسان إلى التفكير والاعتبار ، كما قال تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ انظر كتاب « نظام الإسلام » لأستاذنا محمد المبارك رحمه اللّه : الجزء الأول ، ص 45 فما بعدها .