عدنان زرزور
12
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
خلال الحديث والكلام . ولكن العكس غير صحيح في سائر الألسنة واللغات ، ولسوف يبقى في لسان من نشأ على غير العربية ، بقيّة من لكنة تحول بينه وبين إجادة نطق جميع حروف العربية وكلماتها وعبارتها . . . أو بين نطقها على نحو تام ، أو سليم . ويعود السبب في ذلك ، على الأرجح ، إلى الاستخدام الأمثل للمدرج الصوتي أو لجهاز النطق الإنساني في لغة العرب ، والذي توزعت عليه حروف هذه اللغة على أتم صور التوزيع وأشملها وأدقها إذا ما قيست هذه الحروف بسائر اللغات ، أو بحروف هذه اللغات وأبجدياتها ! يقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد في معرض حديثه عن اللغة العربية بوصفها لغة شاعرة - أي لغة بنيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية - وبيان أن هذه « الخاصة في اللغة العربية ظاهرة من تركيب حروفها ، على حدة ، إلى تركيب مفرداتها ، على حدة ، إلى تركيب قواعدها وعباراتها ، إلى تركيب أعاريضها وتفعيلاتها في بنية القصيد » يقول - رحمه اللّه - : « إن جهاز النطق الإنساني أداة موسيقية وافية لم تحسن استخدامها على أوفاها أمة من الأمم القديمة أو الحديثة كما استخدمتها الأمة العربية ، لأنها انتفعت بجميع مخارجها الصوتية في تقسيم حروفها ، ولم تهمل بعضها وتكرر بعضها الآخر بالتخفيف تارة ، والتثقيل تارة ، كما فعل المتكلّمون بسائر اللغات المعروفة ، ومنها الهندية الجرمانية والساميّة والطورانية » « 1 » . ويقول العقاد : إن حروف الهجاء أو الأبجدية العربية ليست أوفر عددا من الأبجديات في هذه اللغات جميعها - أي اللغات الهندية الجرمانية ، واللغات الطورانية ، واللغات السامية - « فإن اللغة الروسية - مثلا - تبلغ عدة حروفها خمسة وثلاثين حرفا ، وقد تزيد ببعض الحروف المستعارة من الأعلام الأجنبية عنها . ولكنها على هذه الزيادة في حروفها لا تبلغ مبلغ اللغة العربية في الوفاء بالمخارج الصوتية على تقسيماتها الموسيقية ، لأن كثيرا من هذه الحروف الزائدة
--> ( 1 ) اللغة الشاعرة للعقاد ، ص 11 ، المكتبة العصرية ، بيروت .