عدنان زرزور
114
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
أبا بكر قال لعمر وزيد : « اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على شيء من كتاب اللّه فاكتباه » وقد فسّر بعض العلماء هذين الشاهدين : بالحفظ والكتابة . ومعنى ذلك : الاكتفاء بشاهد واحد على الكتابة ، ومثله على الحفظ ! ولو صح هذا التفسير المخالف لما ذهب إليه جمهور العلماء - سواء صح الحديث السابق أم لم يصح - لما كان هنا لك من داع ليخص زيد بن ثابت - في رواية البخاري السابقة - آخر سورة « براءة » بالذكر ! إن كان لا يتطلب على « الكتابة » أكثر من شاهد واحد ! ومن نافلة القول أن نشير إلى أن قوله : « لم أجدها مع أحد غيره » لا يجوز تفسيره بأنه لم يجدها « محفوظة » ! ! لأنه كان - رضي اللّه عنه - يبحث عن آية « يحفظها » هو ! قال الزركشي : « وقول زيد : لم أجدها إلا مع أبي خزيمة ، ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد ، لأن زيدا كان سمعها وعلم موضعها في سورة التوبة بتعليم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكذلك غيره من الصحابة . . . » قال : « وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم » . وقال الحافظ ابن حجر - رحمه اللّه - : « ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة » « 1 » . بل إن من الواضح أن طلب مثل هؤلاء الشهود لا يراد به أكثر من مجرد الاستظهار والاستيثاق وتسهيل عمل زيد بن ثابت . . . لأن الأصل هو في الحفظ المتواتر من قبل جمهور الصحابة - رضوان اللّه عليهم - . . . وهذا معنى تخوّف الفاروق الذي لم يفهمه « جيفري » مرة أخرى ! ولهذا فإن التواتر هنا في نقل القرآن الكريم لا يمكن في الشاهدين أو في الأربعة شهود ، حتى نقول مع بعض العلماء : إن الاستظهار المتواتر لآخر سورة براءة من قبل الصحابة قام مقام الشاهد الآخر على أنه كتب بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . . . لأن هذا عكس ما يجب قوله في هذا
--> ( 1 ) فتح الباري 9 / 12 . ( 2 ) انظر كتاب « علوم القرآن » للأستاذ الدكتور صبحي الصالح رحمه اللّه .