عدنان زرزور
115
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
المقام ، لأن التواتر إنما يكمن حقيقة في موافقة هذا المكتوب في الصحف ، بشهادة أي عدد كان ، لما كان يحفظه الصحابة في صدورهم - بل إن الكتابة ليست شرطا في التواتر أصلا - حيث تلقوا عمل أبي بكر بالقبول ، وتمت عليه موافقتهم . . فكأن جمع المتفرق - « فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال » - كان سبيلا ليعارض بالمجتمع « ليشترك الجميع في علم ما جمع فلا يغيب عن جمع القرآن أحد عنده منه شيء ، ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف ، ولا يشكّوا في أنه جمع عن ملأ منهم » « 1 » كما قال الزركشي - رحمه اللّه - . هذا الجمع العلني والإعلامي ، في مجتمع فضل وعلم ودين ، هو الذي قال فيه علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - : « أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر ، رحمة اللّه على أبي بكر هو أول من جمع كتاب اللّه » « 2 » . 3 - وأخيرا ، فإن من أبرز ما تضمنه حديث زيد السابق « 3 » أن الصحف التي جمع فيها القرآن - بين لوحين أو أجزاء متفرقة - كانت عند أبي بكر الخليفة - رضي اللّه عنه - ، ثم آلت إلى سيدنا عمر من بعده ، ثم صارت إلى حفصة بنت عمر أمير المؤمنين ، ولم توضع عند عثمان لأن عمر - رضي اللّه عنهما - ترك الخلافة شورى من بعده في ستة فلا يحسن دفع هذه الصحف إلى واحد منهم ، ولعله لو فعل ذلك لفهم على أنه من أمارات الترجيح ! يضاف إلى ذلك أن حفصة - رضوان اللّه عليها - هي زوجة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأم المؤمنين ، وكانت متمكنة من
--> ( 1 ) راجع البرهان للزركشي 1 / 234 تحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم رحمه اللّه . ( 2 ) أخرجه ابن أبي داود في « المصاحف » بإسناد حسن . ( 3 ) من هذه الأمور : الثقة المطلقة بزيد من قبل أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهم ، هذه الثقة التي لم يؤكدها أنه كاتب للوحي ، فحسب ، حتى دل عليها بمكانه في الورع والتقى - لخشيته في الأمر - إلى جانب ما اتصف به رضي اللّه عنه من الحزم والعقل ، والتحري والضبط جميعا .