غالب حسن
50
مداخل جديدة للتفسير
2 - يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ « 1 » . إن نقطة الانعطافة المؤدية إلى تصعيد المفهوم باتجاه ترسيخه وتأصيله في هاتين الآيتين تكمن في أداة الحصر « إنما » ، فهذه الأداة أعطت للمفهوم مزيدا من تحقيق الذات وتوكيد هويته في نطاق تعريفه . بل هي أمضت « الحياة الدنيا » بما وصفها الكتاب المجيد على نحو الفضاء المبرم الذي لا تراجع فيه ولا تردد ، فهي لهو ولعب ومتاع بالأمس واليوم وغدا ، ولا يمكنها ان تتحرر من هذه القيود مهما بدت ومهما ظهرت ، لأن هذه القيود تشكل حقيقتها الجوهرية ، فهي مواصفات خارجية لغة ولكنها هوية حقيقة وواقعا وتقديم أداة الحصر أو القصر - إنما - يفعل من وظيفتها الذاتية أكثر كما هو واضح ، فهو يقطع الطريق على كل هاجس محتمل ، قد ينحرف بصراحة التوكيد إلى درجة من الاحتمال المخالف ، ولو بدرجة بالغة من الضآلة والبساطة ، ولا ننسى ان الأداة ( إنما ) من أبرز وأهم أدوات هذه الوظيفة : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ . . . إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ . . . . إذا كان الأفق الأول تأسيسا أوليا ، فإن الأفق الثاني اعلان عن جذرية هذا التأسيس في أعماق الحقيقة ، أنه تأسيس مكتوب بلغة القضاء المبرم ، الإمضاء الذي لا يتراخى أو يتململ من أي إضافة أو محاولة لزعزعته عن صموده الممتلئ بذاته ، وهو التأسيس الذي لا يتسرب الهوان إليه من داخله ، لأنه صمدي متماسك ، لا اختلاف في جسده ولا ثقوب في تواصله وامتداده . فالفارق بين الأفقين متواجد في قفزة هائلة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التأبيد ، من مرحلة التعريف الأولى إلى مرحلة التوحيد ، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار اسم الإشارة ( هذه ) الذي من شأنه تسوير مدخوله وتطويقه على نحو تشخيصي قار ! !
--> ( 1 ) غافر / 39 .