غانم قدوري الحمد

55

محاضرات في علوم القرآن

إن الأحداث الجسام ، والظروف الصعبة ، والكفاح المستمر الذي صاحب حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم - وإن وسائل الكتابة الخشنة البدائية الصعبة الاستخدام ، مع قلة الكتبة وضعف خبراتهم الكتابية - كل ذلك لم يحل دون كتابة القرآن ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو كتّاب الوحي ويأمرهم بكتابة ما ينزل عليه من القرآن ، ويراجعه معهم . المبحث الثاني جمع القرآن في الصحف أولا - أسباب جمع القرآن : كان القرآن الكريم قد كتب مفرقا في الرقاع في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتوفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والقرآن لم يجمع في صحف منظمة ، وحين تولى أبو بكر الصديق ، رضي اللّه عنه ، الخلافة في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة سعى إلى تثبيت أسس الدولة التي بناها رسول صلى اللّه عليه وسلم وكان أول ما واجهه - في خلافته - ارتداد قبائل من العرب وامتناعهم عن أداء بعض حقوق الإسلام ، ووقف الصديق من هؤلاء موقفا حازما ، وقال كلمته المشهورة : « واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول اللّه لقاتلتهم عليه » « 1 » . وانضم بعض المرتدين إلى مدّعي النبوات الكاذبة ، فجهّز الصديق الجيوش التي كان في طليعتها كبار الصحابة ، لقتال هؤلاء الخارجين ، ولم تمض إلا مدة يسيرة حتى عادت الجزيرة العربية كلها إلى حظيرة الإسلام ، واندفعت جيوش الصحابة نحو الشام والعراق . وقد استشهد في تلك الحروب عدد من الصحابة ، رضوان اللّه عليهم ، كان من بينهم عدد من حفاظ القرآن . وكانت معركة اليمامة ، التي أذلّ اللّه فيها مسيلمة الكذاب وجمعه ، من أعظم الغزوات في حروب الردة ، وأبعدها أثرا ، وقد استشهد

--> ( 1 ) تاريخ خليفة 1 / 79 .