غانم قدوري الحمد

56

محاضرات في علوم القرآن

فيها عدد من كبار الصحابة المهاجرين والأنصار ، كان من بينهم نحو خمسين من حملة القرآن « 1 » . وكانت هذه الأحداث ، وما رافقها من مقتل عدد كبير من الصحابة من حفاظ القرآن ، من أهم العوامل التي جعلت عددا من الصحابة يفكرون في ضرورة جمع القرآن في صحائف موحدة ، بدل تلك القطع المتفرقة ، خشية أن يقتل عدد آخر من حفاظ القرآن من الصحابة ، أو أن تذهب تلك القطع التي كتب عليها ، فيتعرض القرآن إلى ضياع شيء منه أو نسيانه ، وكانت حرب اليمامة ونتائجها السبب المباشر الذي وضع تلك الفكرة موضع التنفيذ . وكان عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه ، قد أحزنه مقتل الصحابة في اليمامة ، لا سيما أخوه زيد بن الخطاب ، وأقلقه مقتل الحفاظ منهم ، مثل سالم بن معقل مولى أبي حذيفة ، وهو من أشهر حفاظ القرآن ، فجاء إلى الخليفة الصديق وقال له : إن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تهافتوا يوم اليمامة تهافت الفراش في النار ، وإن القتل استحرّ بأهل اليمامة من قراء المسلمين ، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن ، فيذهب كثير من القراء ، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن « 2 » . ولم تلق الفكرة في بدء الأمر موافقة الخليفة الصديق ، الذي كان شديد الحرص ألّا يعمل عملا لم يعمله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لكن المراجعة التي حصلت بعد عرض الفكرة أدت إلى اقتناع الخليفة بها وتكليف زيد بن ثابت بالقيام بأعبائها . ثانيا - كيفية جمع القرآن : نقلت كتب الحديث والتاريخ تفاصيل عملية جمع القرآن في الصحف ، من القطع التي كتبت في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد روى البخاري وغيره ، عن محمد

--> ( 1 ) المصدر نفسه 1 / 90 . ( 2 ) ينظر : الطبري : جامع البيان 1 / 26 ، والطبراني : المعجم الكبير 5 / 130 .