غانم قدوري الحمد

33

محاضرات في علوم القرآن

ولا شك أن تفريق النص الذي يراد حفظه ييسر الأمر على من يريد أن يحفظه ، لكن ذلك قد لا ينطبق على الواقع ، فقد صرح القرآن أن حفظ الوحي مكفول للنبي صلى اللّه عليه وسلم كما مر ذلك ، واللّه تعالى يقول : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) [ الأعلى ] و ( لا ) هنا نافية ، والآية تعني أنك تحفظه ولن تنساه ، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ( 188 ) [ الأعراف ] . والدارس اليوم والمتأمل لتاريخ الدعوة تتجلى أمامه حكمة نزول القرآن مفرقا ، بالنسبة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وبالنسبة إلى المؤمنين ، فالدعوة الإسلامية جاءت لتصلح أوضاع البشرية الفاسدة في العقيدة والسلوك والتشريع ، ولا يناسب تحقيق ذلك إلا الدعوة المتأنية ، قال اللّه تعالى : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 105 ) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 106 ) [ الإسراء ] أي لتقرأه على الناس على تؤدة ، فترتله وتبينه ولا تعجل في تلاوته « 1 » . وتلك في الواقع هي الطريقة التربوية الوحيدة الممكنة في حقبة تتسم بميلاد دين وبزوغ حضارة ، فكان الوحي خلال ثلاثة وعشرين عاما يهدي سير النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه خطوة خطوة نحو هذا الهدف ، وهو يحوطهم كل لحظة بالعناية الإلهية المناسبة ، فهو يعزز جهودهم ، ويقوي إرادتهم ، حتى تكلل ذلك الكفاح بالنصر المبين ، فالحركة التاريخية والاجتماعية والروحية التي نهض بأعبائها الإسلام لا سر لها إلا في هذا التنجيم « 2 » . جاء هذا القرآن ليربي أمة ، ويقيم لها نظاما ، وجاء ليكون منهج تربية ومنهاج حياة ، لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد الاستمتاع العقلي ولا لمجرد المعرفة ، ومن ثم جاء هذا القرآن وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة ، وهي في طريق نشأتها ونموها ، ووفق استعدادها الذي كان ينمو يوما بعد يوم في ظل ذلك المنهج التربوي الإلهي الدقيق .

--> ( 1 ) ينظر : الطبري : جامع البيان 15 / 179 . ( 2 ) مالك بن نبي : الظاهرة القرآنية ص 221 - 222 .