غانم قدوري الحمد

34

محاضرات في علوم القرآن

وقد أدرك الصحابة تلك الحكمة التربوية من نزول القرآن الكريم مفرقا ، وهم الذين عاشوا تجربة تلقي القرآن على ذلك النحو ، فلمسوا ثمار ذلك المنهج عمليا في حياتهم ، قالت السيدة عائشة أم المؤمنين ، رضي اللّه عنها ، كما جاء في صحيح البخاري : « . . . إنما نزل أوّل ما نزل منه ( أي من القرآن ) سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنا أبدا ، لقد نزل بمكة على محمد صلى اللّه عليه وسلم وإني لجارية ألعب : بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ( 46 ) [ القمر ] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده . . . « 1 » . قال ابن حجر في شرحه للحديث : « أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل ، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد ، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة ، وللكافر والعاصي بالنار ، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام . . . » « 2 » . لم يكن نزول القرآن الكريم مفرقا مصادفة إذن ، ولم تكن تلاوة النبي صلى اللّه عليه وسلم للقرآن على الناس على مكث وأناة دون حكمة ، فقد ظل القرآن ينزل في مكة مدة ثلاث عشرة سنة وهو يعالج أسس العقيدة وأصول الدين ، حتى إذا استوفت هذه القضية ما تستحقه من البيان واستقرت في قلوب الجماعة المؤمنة استقرارا مكينا ثابتا ، نزلت الآيات تفصّل ما يتعلق بنظام الإسلام في الحياة ، فكانت النفوس المؤمنة تتلقى التشريعات بالرضا والقبول ، فأبطلت الخمر وأبطل الربا وأبطل الميسر ، وأبطلت العادات الجاهلية كلها ، أبطلت بآيات من القرآن ، أو كلمات من الرسول صلى اللّه عليه وسلم بفضل ذلك المنهج التربوي الرباني العظيم .

--> ( 1 ) ابن حجر : فتح الباري 9 / 39 . ( 2 ) فتح الباري 9 / 40 .