غانم قدوري الحمد
108
محاضرات في علوم القرآن
يسمعونه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولهذا فإن الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان ، رضي اللّه عنه ، أمر الجماعة الذين نسخوا المصاحف أن يكتبوه على لسان قريش ، لأنه هو النطق المنزل به . ولا شك في أن أهل مكة كانوا أقدر على تحقيق نطق القرآن كما نطقه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأنهم قومه وعشيرته ، أما غيرهم من العرب فكانوا متفاوتين في القدرة على تحقيق ذلك النطق ، بحسب قرب أو بعد لغاتهم ( أي لهجاتهم ) من لغة أهل مكة ، ومن ثمّ ظهرت مشكلة أهل مكة . وقد أشار بعض العلماء إلى أن تلك المشكلة ظهرت بصورة واضحة بعد الهجرة ، حين دخل في الإسلام أفراد من قبائل عربية متباينة النطق « 1 » . وأمام ذلك الوضع اللغوي المعقد لم يحمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس على تعلم نطق قريش ، ولم يمنعهم من قراءة القرآن ، وإنما رخّص لهم أن يقرءوا القرآن بالنطق الذي يمكنهم تحقيقه ، قال الصحابي عبد اللّه بن عباس ( ت 68 ه ) حول الموضوع : « إن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يقرئ الناس بلغة واحدة ، فاشتد ذلك عليهم ، فنزل جبريل ، فقال : يا محمد ، أقرئ كلّ قوم بلغتهم » « 2 » . وروى الترمذي في سننه عن أبي بن كعب أنه قال : « لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبريل ، فقال : يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين ، منهم العجوز والشيخ الكبير ، والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط ! قال : يا محمد ، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف » . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح قد ورد عن أبيّ بن كعب من غير وجه « 3 » .
--> ( 1 ) ينظر : ابن حجر : فتح الباري 9 / 28 ، وعبده الراجحي : اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص 68 . ( 2 ) ينظر : أبو شامة : المرشد الوجيز ص 95 . ( 3 ) سنن الترمذي 5 / 178 .