غانم قدوري الحمد

107

محاضرات في علوم القرآن

اللغوي الذي كان يتميز بتعدد اللهجات وتباين صور النطق للعربية « 1 » ، لا سيما في وقت كانت تسود فيه الأمية ، ويصعب التنقل والامتزاج ، ما عدا فرصا محدودة يلتقي فيها أفراد معدودون في مواسم الحج والتجارة لأيام معدودة ، ثم يمضي كل واحد منهم لينخرط في حياة قبيلته أو بلدته . وفي ذلك الظرف شاء اللّه تعالى أن يبعث نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم برسالة تدعو إلى التوحيد والتوحيد ، وتحثّ على التعلم والتحضر ، يقول القاسم بن ثابت السرقسطي ( ت 302 ه ) : « إن اللّه تبارك وتعالى بعث نبيه صلى اللّه عليه وسلم والعرب متناءون في المحال والمقامات ، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات ، ولكل عمارة « 2 » لغة دلت بها ألسنتهم ، وفحوى قد جرت بها عادتهم ، وفيهم الكبير العاسي والأعرابي القح ، ومن لو رام نفي عادته وحمل لسانه على غير دربته « 3 » تكلف منه حملا ثقيلا ، وعالج منه عبئا شديدا ، ثم لم يكسر غربه « 4 » ولم يملك استمراره إلا بعد التمرين الشديد ، والمساجلة الطويلة ، فأسقط اللّه عنهم هذه المحنة ، وأباح لهم القراءة على لغاتهم ، وحمل حروفه على عادتهم ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرئهم بما يفقهون ، ويخاطبهم بالذي يستعملون بما طوّقه اللّه من ذلك ، وشرح به صدره ، وفتق به لسانه ، وفضّله على جميع خلقه » « 5 » . والقرآن الكريم نزل بلغة قريش ، في الرأي الراجح ، على نحو ما أشرنا إلى ذلك في المبحث الخاص بعربية القرآن ، ومعنى ذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلقاه من جبريل عليه السّلام وتلاه على الناس بنطق عربي يطابق نطق العربية السائد في مكة المكرمة في ذلك الوقت ، وكان كتبة الوحي يكتبون ألفاظ الوحي على نحو ما

--> ( 1 ) قال ابن النديم ( الفهرست ص 8 ) : « ولكل قبيلة من قبائل العرب لغة تنفرد بها » . ( 2 ) العمارة ، بكسر العين وفتحها ، هي الشعبة من القبيلة ، أو هي الحي العظيم . ( 3 ) دربته : ما تدرب عليه واعتاده . ( 4 ) الغرب : الحدّة . ( 5 ) نقلا عن البلوي : ألف با 1 / 211 ، وأبو شامة : المرشد الوجيز ص 128 .