مناع القطان
48
مباحث في علوم القرآن
عاميّ الفؤاد ، أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة بالنسبة إلى العرب ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ 103 - النحل ) . ولقد كان العرب أحرص الناس على دفع هذا القرآن إمعانا في خصومة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنهم عجزوا ووجدوا السبل أمامهم مغلقة ، وباءت كل محاولاتهم بالفشل ، فما للملحدين اليوم - وقد مضى أربعة عشر قرنا على ذلك - يبحثون في قمامات التاريخ ملتمسين سبيلا من تلك السبل الفاشلة نفسها ؟ ! وبهذا يتبين أن القرآن الكريم لا يوجد له مصدر إنساني ، لا في نفس صاحبه ، ولا عند أحد من البشر ، فهو تنزيل الحكيم الحميد . ونشأة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بيئة أمية جاهلية ، وسيرته بين قومه ، من أقوى الدلائل على أن اللّه قد أعده لحمل رسالته ، وأوحى اليه بهذا القرآن هداية لأمته ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ . 52 ، 53 - الشورى ) يقول الأستاذ محمد عبده في رسالة التوحيد : « من السنن المعروفة أن يتيما فقيرا أميا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول نشأته إلى زمن كهولته ، ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه ، لا سيما إن كان من ذوي قرابته ، وأهل عصبته ، ولا كتاب يرشده ، ولا أستاذ ينبهه ، ولا عضد إذا عزم يؤيده ، فلو جرى الأمر فيه على جاري السنن لنشأ على عقائدهم ، وأخذ بمذاهبهم ، إلى أن يبلغ مبلغ الرجال ، ويكون للفكر والنظر مجال ، فيرجع إلى مخالفتهم ، إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم ، كما فعل القليل ممن كانوا على عهده « 1 » .
--> ( 1 ) كأمية بن أبي الصلت ، وزيد بن عمرو بن نفيل .