مناع القطان
49
مباحث في علوم القرآن
ولكن الأمر لم يجر على سننه ، بل بغضت إليه الوثنية من مبدأ عمره ، فعاجلته طهارة العقيدة ، كما بادره حسن الخليقة ، وما جاء في الكتاب من قوله : ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) لا يفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد ، أو على غير السبيل القويم ، قبل الخلق العظيم ، حاشى للّه ، إن ذلك لهو الإفك المبين ، وإنما هي الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص ، فيما يرجون للناس من الخلاص ، وطلب السبيل إلى ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين ، وإرشاد الضالين ، وقد هدى اللّه نبيه إلى ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته ، واختياره من بين خلقه لتقرير شريعته » . متاهات المتكلمين : وقد خاض المتكلمون في بيان كلام اللّه على نهج الفلاسفة فأوقعوا الناس في متاهات أضلتهم عن سواء السبيل ، حيث قسموا كلام اللّه تعالى إلى قسمين : نفسي قديم قائم بذاته تعالى ليس بحرف ولا صوت ولا ترتيب ولا لغة ، وكلام لفظي هو المنزل على الأنبياء عليهم السلام ، ومنه الكتب الأربعة ، وأغرق علماء الكلام في خلافاتهم الكلامية المبتدعة : أيكون القرآن بهذا المعنى الثاني مخلوقا أم لا ؟ ورجحوا أن يكون مخلوقا ، وخرجوا بذلك عن منهج السلف الصالح فيما لم يرد به كتاب ولا سنة ، وتناولوا صفات اللّه بالتحليل الفلسفي الذي يؤدي إلى التشكيك في عقيدة التوحيد . ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات ما أثبته اللّه تعالى لنفسه من الأسماء والصفات أو أثبته رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فيما صح عنه ، وحسبك أن تؤمن بأن الكلام صفة من صفاته تعالى ، قال سبحانه ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً 164 - النساء ) وأن القرآن الكريم - وهو الوحي المنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلم - كلام اللّه غير مخلوق ، قال تعالى ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ 6 - التوبة ) وإثبات هذا ونحوه مما وصف اللّه تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله وإن كان يوصف به العباد فإنه لا ينافي كمال تنزيهه تعالى عما لا يليق به من نقائص عباده ، ولا يقتضي مماثلته لهم .