مناع القطان
37
مباحث في علوم القرآن
كيفية وحي اللّه إلى رسله يوحي اللّه إلى رسله بواسطة وبغير واسطة . فالأول : بواسطة جبريل ملك الوحي وسيأتي بيانه . والثاني : وهو الذي لا واسطة فيه . أ - منه الرؤيا الصالحة في المنام ، فعن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « أول ما بدئ به صلى اللّه عليه وسلم الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح » « 1 » وكان ذلك تهيئة لرسول اللّه حتى ينزل عليه الوحي يقظة ، وليس في القرآن شيء من هذا النوع لأنه نزل جميعه يقظة ، خلافا لمن ادعى نزول سورة « الكوثر » مناما للحديث الوارد فيها ، ففي صحيح مسلم عن أنس رضي اللّه عنه « بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلت : ما أضحكك يا رسول اللّه ؟ فقال : « نزلت علي آنفا سورة ، فقرأ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ » ) فلعل الإغفاءة هذه هي الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي . ومما يدل على أن الرؤية الصالحة للأنبياء في المنام وحي يجب اتباعه ما جاء في قصة إبراهيم من رؤيا ذبحه لولده إسماعيل « 2 » ( فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى ؟ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ، فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ، وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ، وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ، وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ، سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ، كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ، وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ - 101 - 112 - الصافات )
--> ( 1 ) متفق عليه . ( 2 ) هذا هو الصواب ، خلافا لمن ذهب إلى أنه إسحاق ، فان البشارة كانت أولا بإسماعيل قبل إسحاق ، وإسماعيل هو الذي نشأ في الجزيرة العربية حيث كانت قصة الذبح ، وهو الحري بأن يوصف بالحلم .