مناع القطان
316
مباحث في علوم القرآن
وما ذهب إليه الشاطبي واعتبره حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي ليس على إطلاقه . فإن بعض العلماء يخص هذا بمقدار الضرورة في إبلاغ الدعوة . بالتوحيد وأركان العبادات ، ولا يتعرض لما سوى ذلك ، ويؤمر من أراد الزيادة بتعلم اللسان العربي . الترجمة التفسيرية ويحق لنا أن نقول : إن علماء الإسلام إذا قاموا بتفسير للقرآن ، يتوخى فيه أداء المعنى القريب الميسور الراجح ، ثم يترجم هذا التفسير بأمانة وبراعة ، فإن هذا يقال فيه « ترجمة تفسير القرآن » أو « ترجمة تفسيرية » بمعنى شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى . ولا بأس بذلك ، فإن اللّه تعالى بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم برسالة الإسلام إلى البشرية كافة على اختلاف أجناسها وألوانها « وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة » « 1 » وشرط لزوم الرسالة البلاغ - والقرآن الذي نزل بلغة العرب صار إبلاغه للأمة العربية ملزما لها ، ولكن سائر الأمم التي لا تحسن العربية ، أو لا تعرفها يتوقف إبلاغها الدعوة على ترجمتها بلسانها . وقد عرفنا قبل استحالة الترجمة الحرفية وحرمتها . واستحالة ترجمة المعاني الثانوية ، ومشقة ترجمة المعاني الأصلية وما فيها من أخطار ، فلم يبق إلا أن يترجم تفسير القرآن الذي يتضمن أسس دعوته بما يتفق مع نصوص الكتاب وصريح السنة إلى لسان كل قبيل حتى تبلغهم الدعوة وتلزمهم الحجة . وترجمة تفسير للقرآن على نحو ما ذكرنا يصح أن نسميها بالترجمة التفسيرية . وهي تختلف عن الترجمة المعنوية وإن كان الباحثون لا يفرقون بينهما ، فإن الترجمة المعنوية توهم أن المترجم أخذ معاني القرآن من أطرافها ونقلها إلى اللغة الأجنبية ، كما يقال في ترجمة غيره : ترجمة طبق الأصل . فالمفسر يتكلم بلهجة المبين لمعنى الكلام على حسب فهمه ، فكأنه يقول للناس : هذا ما أفهمه من الآية ،
--> ( 1 ) من حديث : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي . . . في الصحيحين وغيرهما . . . » .