مناع القطان
309
مباحث في علوم القرآن
« وقد وجدتها رسالة ليست عادية ، بل هي رسالة خطيرة ، أساسها أن القصص في القرآن عمل فني خاضع لما يخضع له الفن من خلق وابتكار من غير التزام لصدق التاريخ . والواقع أن محمدا فنان بهذا المعنى » ثم قال : « وعلى هذا الأساس كتب كل الرسالة من أولها إلى آخرها ، وأني أرى من الواجب أن أسوق بعض أمثلة ، توضح مرامي كاتب هذه الرسالة وكيفية بنائها » ثم أورد الأستاذ « أحمد أمين » أمثلة منتزعة من الرسالة تشهد بما وصفها به من هذه العبارة المجملة . « 1 » كادعاء صاحب الرسالة أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي . وإنما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادثة تصويرا فنيا ، وزعمه أن القرآن يختلق بعض القصص وأن الأقدمين أخطئوا في عدّ القصص القرآني تاريخا يعتمد عليه . . . والمسلم الحق هو الذي يؤمن بأن القرآن كلام اللّه ، وأنه منزه عن ذلك التصوير الفني الذي لا يعني فيه بالواقع التاريخي ، وليس قصص القرآن الا الحقائق التاريخية تصاغ في صور بديعة من الألفاظ المنتقاة ، والأساليب الرائعة . ولعل صاحب الرسالة درس فن القصة في الأدب ، وأدرك من عناصرها الأساسية الخيال الذي يعتمد على التصور ، وأنه كلما ارتقى خيالها ونأى عن الواقع كثر الشوق إليها ، ورغبت النفس فيها ، واستمتعت بقراءتها . ثم قاس القصص القرآني على القصة الأدبية . وليس القرآن كذلك ، فإنه تنزيل من عليم حكيم ، ولا يرد في أخباره إلا ما يكون موافقا للواقع ، وإذا كان الفضلاء من الناس يتورعون من أن يقولوا زورا ويعدونه من أقبح الرذائل المزرية بالإنسانية ، فكيف يسوغ لعاقل أن يلصق الزور بكلام ذي العزة والجلال ؟ واللّه تعالى هو الحق : ( ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ 62 - الحج )
--> ( 1 ) انظر نقد كتاب « الفن القصصي في القرآن - للأستاذ محمد الخضر حسين - بلاغة القرآن صفحة 94