مناع القطان
270
مباحث في علوم القرآن
الإعجاز العلميّ يخطئ كثير من الناس حين يحرصون على أن يتضمن القرآن الكريم كل نظرية علمية ، وكلما ظهرت نظرية جديدة التمسوا لها محملا في آية يتأولونها بما يوافق هذه النظرية . ومنشأ الخطأ في هذا أن العلوم تتجدد نظرياتها مع الزمن تبعا لسنة التقدم ، فلا تزال في نقص دائم يكتنفه الغموض أحيانا ، والخطأ أحيانا أخرى ، وتستمر هكذا حتى تقترب من الصواب ، وتصل إلى درجة اليقين ، وأي نظرية منها تبدأ بالحدس والتخمين وتخضع للتجربة حتى يثبت يقينها ، أو يتضح زيفها وخطؤها ، ولهذا كانت عرضة للتبديل ، وكثير من القواعد العلمية التي ظن الناس أنها أصبحت من المسلمات تتزعزع بعد ثبوت ، وتتقوض بعد رسوخ ، ثم يستأنف الباحثون تجاربهم فيها مرة أخرى . والذين يفسرون القرآن الكريم بما يطابق مسائل العلم ، ويحرصون على أن يستخرجوا منه كل مسألة تظهر في أفق الحياة العلمية ، يسيئون إلى القرآن من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا ، لأن هذه المسائل التي تخضع لسنة التقدم تتبدل ، وقد تتقوض من أساسها وتبطل ، فإذا فسرنا القرآن بها تعرضنا في تفسيره للنقائض كلما تبدلت القواعد العلمية ، أو تتابعت الكشوف بجديد ينقض القديم ، أو يقين يبطل التخمين . والقرآن الكريم كتاب عقيدة وهداية ، يخاطب الضمير فيحيي فيه عوامل النمو والارتقاء ، وبواعث الخير والفضيلة . وإعجازه العلمي ليس في اشتماله على النظريات العلمية التي تتجدد وتتبدّل وتكون ثمرة للجهد البشري في البحث والنظر ، وإنما في حثه على التفكير ، فهو يحث الإنسان على النظر في الكون وتدبره ، ولا يشل حركة العقل في تفكيره ، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما استطاع إلى ذلك سبيل . وليس ثمة كتاب من كتب الأديان السابقة يكفل هذا بمثل ما يكفله القرآن .