مناع القطان

261

مباحث في علوم القرآن

وجوه إعجاز القرآن « 1 » لقد كان لنشأة علم الكلام في الإسلام أثر أصدق ما يقال فيه : إنه كلام في كلام ، وما فيه من وميض التفكير يجر متتبعه إلى مجاهل من القول بعضها فوق بعض . وقد بدأت مأساة علماء الكلام في القول بخلق القرآن ، ثم اختلفت آراؤهم وتضاربت في وجوه إعجازه : - 1 - فذهب أبو إسحاق إبراهيم النظام « 2 » ومن تابعه كالمرتضى من الشيعة إلى أن إعجاز القرآن كان بالصرفة ، ومعنى الصرفة في نظر النظام : أن اللّه صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها ، فكان هذا الصرف خارقا للعادة . ومعناها في نظر المرتضى : ان اللّه سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن - وهو قول يدل على عجز ذويه ، فلا يقال فيمن سلب القدرة على شيء إن الشيء أعجزه ما دام في مقدوره أن يأتي به في وقت ما ، وإنما المعجز حينئذ هو قدر اللّه ، فلا يكون القرآن معجزا ، وحديثنا عن إعجاز مضاف إلى القرآن سوف يظل ثابتا له في كل عصر ، لا عن إعجاز اللّه . قال القاضي أبو بكر الباقلاني « ومما يبطل القول بالصرفة ، أنه لو كانت المعارضة ممكنة ، وإنما منع منها الصرفة ، لم يكن الكلام معجزا ، وإنما يكون المنع معجزا ، فلا يتضمن الكلام فضلا على غيره في نفسه » والقول بالصرفة قول فاسد يرد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً 88 - الإسراء ) فإنه بدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ، ولو سلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم ، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى ليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره .

--> ( 1 ) ذكر العلماء في وجوه الاعجاز ما يربو على عشرة أوجه ، وسنقتصر على أهمها . ( 2 ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام شيخ الجاحظ ، وأحد رؤوس المعتزلة ، وإليه تنسب الفرقة النظامية ، توفي في خلافة المعتصم سنة بضع وعشرين ومائتين