مناع القطان

233

مباحث في علوم القرآن

« ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) « 1 » محكم غير منسوخ ، لأنه مؤجل بأجل ، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه . ما يقع فيه النسخ ومن هنا يعلم أن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي - سواء كانت صريحة في الطلب أو كانت بلفظ الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهي على أن يكون ذلك غير متعلق بالاعتقادات التي ترجع إلى ذات اللّه تعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، أو الآداب الخلقية ، أو أصول العبادات والمعاملات لأن الشرائع كلها لا تخلو عن هذه الأصول . وهي متفقة فيها ، قال تعالى ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ 13 - الشورى ) وقال ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ 183 - البقرة ) وقال ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا 27 - الحج ) وقال في القصاص ( وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ 45 - المائدة ) وقال في الجهاد ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ 145 - آل عمران ) وفي الأخلاق ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً 18 - لقمان ) . كما لا يدخل النسخ الخبر الصريح الذي ليس بمعنى الطلب كالوعد والوعيد . ما به يعرف النسخ وأهميته ولمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم من الفقهاء والأصوليين والمفسرين حتى لا تختلط الأحكام ، ولذلك وردت آثار كثيرة في الحث على معرفته ، فقد روي أن عليا رضي اللّه عنه مرّ على قاض فقال له : أتعرف الناسخ

--> ( 1 ) الآية 109 - البقرة .