مناع القطان
212
مباحث في علوم القرآن
معناها المقاربة ، فمعنى كاد يفعل : قارب الفعل ، ومعنى ما كاد يفعل : لم يقاربه ، فخبرها منفي دائما ، ولكن النفي في الإثبات مستفاد من معناها ، لأن الإخبار بقرب الشيء يقتضي عرفا عدم حصوله ، وإلا لم يتجه الإخبار بقربه . أما إذا كانت منفية فلانه إذا انتفت مقاربة الفعل اقتضى عقلا عدم حصوله ، ويدل له قوله تعالى ( إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها 40 - النور ) ولهذا كان أبلغ من قوله « لم يرها » لأن من لم ير قد يقارب الرؤية . والثاني : أنها تختلف عن سائر الأفعال إثباتا ونفيا ، فإثباتها نفي ، ونفيها إثبات ، ولذا قالوا : إنها إذا أثبتت نفت ، وإذا نفت أثبتت ، فإذا قيل : كاد يفعل ، فمعناه أنه لم يفعله بدليل قوله تعالى ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ 73 - الإسراء ) لأنهم لم يفتنوه ، وإذا قيل : لم يكد يفعل ، فمعناه أنه فعله بدليل قوله تعالى : ( فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ 71 - البقرة ) لأنهم فعلوا الذبح . والثالث : أنها في النفي تدل على وقوع الفعل بعسر وشدة كقوله : ( فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ) . والرابع : التفصيل في النفي بين المضارع والماضي ، فنفي المضارع نفي ، ونفي الماضي إثبات ، يدل على الأول قوله : ( لَمْ يَكَدْ يَراها ) مع أنه لم ير شيئا ، ويدل على الثاني قوله ( فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ) مع أنهم فعلوا . والخامس : أنها في النفي تكون للإثبات إذا كان ما بعدها متصلا بما قبلها ومتعلقا به ، كقولك : ما كدت أصل إلى مكة حتى طفت بالبيت الحرام ، ومنه قوله تعالى : ( فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ) . لفظ « جعل » تأتي « جعل » في القرآن لعدة معان : أحدها : بمعنى « سمّى » كقوله تعالى : ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ 91 - الحجر ) أي سموه كذبا ، وقوله : ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً 19 - الزخرف ) على قول ، ويشهد له قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ