مناع القطان
131
مباحث في علوم القرآن
وهذا يدل على أن ما صنعه عثمان قد أجمع عليه الصحابة ، كتبت مصاحف على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن . ليجتمع الناس على قراءة واحدة ، ورد عثمان الصحف إلى حفصة ، وبعث إلى كل أفق بمصحف من المصاحف . واحتبس بالمدينة واحدا هو مصحفه الذي يسمى الإمام . وتسميته بذلك لما جاء في بعض الروايات السابقة من قوله : « اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما » وأمر أن يحرق ما عدا ذلك من صحيفة أو مصحف ، وتلقت الأمة ذلك بالطاعة ، وتركت القراءة بالأحرف الستة الأخرى . ولا ضير في ذلك . فإن القراءة بالأحرف السبعة ليست واجبة ، ولو أوجب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الأمة القراءة بها جميعا لوجب نقل كل حرف منها نقلا متواترا تقوم به الحجة . ولكنهم لم يفعلوا ذلك فدل هذا على أن القراءة بها من باب الرخصة . وأن الواجب هو تواتر النقل ببعض هذه الأحرف السبعة . وهذا هو ما كان . قال ابن جرير فيما فعله عثمان : « وجمعهم على مصحف واحد ، وحرف واحد ، وخرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه ، وعزم على كل من كان عنده مصحف « مخالف » المصحف الذي جمعهم عليه ، أن يحرقه « 1 » ، فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة ، ورأت أن فيها فعل ذلك الرشد والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها ، طاعة منها له ، ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها ، حتى درست من الأمة معرفتها ، ونقضت أثارها ، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها ، لدثورها وعفو آثارها ، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها ، من غير جحود منها صحتها وصحة شيء منها ، ولكن نظرا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها ، فلا قراءة للمسلمين
--> ( 1 ) أنظر هذا النص في تفسير ابن جرير الطبري ج 1 صفحة 64 ، 65 ، وفي التعليق ، قال ابن حجر في الفتح 9 : 18 في شرح حديث البخاري : « في رواية الأكثر « أن يخرق » بالخاء المعجمة ، وللمروزي بالمهملة ، ورواه الأصيلي بالوجهين ، والمعجمة أثبت » وخرق الكتاب أو الثوب : شققه ومزقه .