مناع القطان
132
مباحث في علوم القرآن
اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية . فإن قال بعض من ضعفت معرفته . وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وأمرهم بقراءتها ؟ قيل : إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمر إباحة ورخصة ، لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة ، عند من يقوم بنقله الحجة ، ويقطع خبره العذر ، ويزيل الشك من قراءة « 1 » الأمة ، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين ، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة . وإذ كان ذلك كذلك ، لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع ، تاركين ما كان عليهم نقله ، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا ، إذ كان الذي فعلوا من ذلك ، كان هو النظر للإسلام وأهله ، فكان القيام بفعل الواجب عليهم ، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه ، كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة ، من ذلك » . الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان : - يتبين من النصوص أن جمع أبي بكر يختلف عن جمع عثمان في الباعث والكيفية . فالباعث لدى أبي بكر رضي اللّه عنه لجمع القرآن خشية من ذهابه بذهاب حملته ، حين استحر القتل بالقراء . والباعث لدى عثمان رضي اللّه عنه كثرة الاختلاف في وجوه القراءة ، حين شاهد هذا الاختلاف في الأمصار وخطأ بعضهم بعضا .
--> ( 1 ) « من قراءة الأمة » القراء : جمع قارئ .