مناع القطان
128
مباحث في علوم القرآن
مرتب الآيات والسور وأن تكون كتابته غاية من التثبيت مشتملة على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، فكان أبو بكر رضي اللّه عنه أول من جمع القرآن بهذه الصفة في مصحف ، وإن وجدت مصاحف فردية عند بعض الصحابة ، كمصحف علي ، ومصحف أبي ، ومصحف ابن مسعود ، فإنها لم تكن على هذا النحو ، ولم تنل حظها من التحري والدقة ، والجمع والترتيب ، والاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته ، والإجماع عليها ، بمثل ما نال مصحف أبي بكر ، فهذه الخصائص تميز بها جمع أبي بكر للقرآن ، ويرى بعض العلماء أن تسمية القرآن بالمصحف نشأت منذ ذلك الحين في عهد أبي بكر بهذا الجمع ، وعن علي قال : « أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر ، رحمة اللّه على أبي بكر ، هو أول من جمع كتاب اللّه » . وهذا الجمع هو المسمى بالجمع الثاني . 3 - جمع القرآن في عهد عثمان رضي اللّه عنه : - اتسعت الفتوحات الإسلامية ، وتفرق القراء في الأمصار ، وأخذ أهل كل مصر عمن وفد إليهم قراءته ، ووجوه القراءة التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها ، فكانوا إذا ضمهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو عجب البعض من وجوه هذا الاختلاف ، وقد يقنع بأنها جميعا مسندة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن هذا لا يحول دون تسرب الشك للناشئة التي لم تدرك الرسول ، فيدور الكلام حول فصيحها وأفصحها ، وذلك يؤدي إلى الملاحاة إن استفاض أمره ومردوا عليه ، ثم إلى اللجاج والتأثيم ، وتلك فتنة لا بد لها من علاج . فلما كانت غزوة « أرمينية » وغزوة « أذربيجان » من أهل العراق ، كان فيمن غزاهما « حذيفة بن اليمان » فرأى اختلافا كثيرا في وجوه القراءة ، وبعض ذلك مشوب باللحن ، مع إلف كلّ لقراءته ، ووقوفه عندها ، ومماراته مخالفة لغيره ، وتكفير بعضهم الآخر ، حينئذ فزع إلى عثمان رضي اللّه عنه ، وأخبره