مناع القطان
115
مباحث في علوم القرآن
فما صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على منافق بعد حتى قبضه اللّه عز وجل » « 1 » . وحين تخلف نفر من المؤمنين الصادقين في غزوة تبوك ، وأقاموا بالمدينة ، ولم يجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لديهم عذرا هجرهم وقاطعهم حتى ضاقوا ذرعا بالحياة ثم نزل القرآن لقبول توبتهم : ( لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 117 ، 118 - التوبة ) « 2 » ويشير إلى هذا ما روي عن ابن عباس في نزول القرآن : « ونزله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم » « 3 » . 5 - الحكمة الخامسة : الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد : إن هذا القرآن الذي نزل منجما على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أكثر من عشرين عاما تنزل الآية أو الآيات على فترات من الزمن يقرؤه الإنسان ويتلو سوره فيجده محكم النسج ، دقيق السبك ، مترابط المعاني ، رصين الأسلوب ، متناسق الآيات والسور ، كأنه عقد فريد نظمت حباته بما لم يعهد له مثيل في كلام البشر : ( كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ - 1 - هود ) ولو كان هذا القرآن من كلام البشر قيل في مناسبات متعددة ، ووقائع متتالية ، وأحداث متعاقبة ، لوقع فيه التفكك والانفصام ، واستعصى أن يكون بينه التوافق والانسجام : ( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً - 82 - النساء ) .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة وغيرهم . ( 2 ) من حديث طويل أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ، والثلاثة هم : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وكلهم من الأنصار . ( 3 ) أخرجه الطبراني والبزار عن ابن عباس - وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر .