مناع القطان

106

مباحث في علوم القرآن

الرأي الراجح ، وعشر بالمدينة ، وجاء التصريح بنزوله مفرقا في قوله تعالى ( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا 106 - الإسراء ) أي جعلنا نزوله مفرقا كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت ، ونزلناه تنزيلا بحسب الوقائع والأحداث . أما الكتب السماوية الأخرى - كالتوراة والإنجيل والزبور - فكان نزولها جملة ، ولم تنزل مفرقة ، يدل على هذا قوله تعالى ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا 32 - الفرقان ) فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية السابقة نزلت جملة ، وهو ما عليه جمهور العلماء ، ولو كان نزولها مفرقا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن منجما ، فمعنى قولهم : ( لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ) هلا أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب ؟ وما له أنزل على التنجيم ؟ ولم أنزل مفرقا ؟ ولم يرد اللّه عليهم بأن هذه سنته في إنزال الكتب السماوية كلها كما رد عليهم في قولهم : ( وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ؟ 7 - الفرقان ) بقوله : ( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ 20 - الفرقان ) وكما رد عليهم في قولهم : ( أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ؟ - 94 - الإسراء ) بقوله : ( قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا 95 - الإسراء ) وقوله : ( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ 7 - الأنبياء ) بل أجابهم اللّه تعالى ببيان وجه الحكمة في تنزيل القرآن منجما بقوله : ( كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ) أي كذلك أنزل مفرقا لحكمة هي تقوية قلب رسول اللّه ( وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ) أي قدرناه آية بعد آية بعضه إثر بعض ، أو بيناه تبيينا ، فإن إنزاله مفرقا حسب الحوادث أقرب إلى الحفظ والفهم وذلك من أعظم أسباب التثبيت . والذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل ، وقد صح نزول العشر آيات في قصة