مصطفى مسلم
61
مباحث في التفسير الموضوعي
ثم ذكر تأويل قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها . . . [ البقرة : 189 ] ، قيل : نزلت هذه الآية في قوم كانوا لا يدخلون إذا أحرموا بيوتهم من قبل أبوابها . . . وذكر الروايات في ذلك . وعادة دخول البيوت من ظهورها في حال الإحرام أو عند العودة من سفر كانت عادة متبعة في الجاهلية ، وعلى الرغم من ورود الشطر الثاني للآية لإبطال تلك العادة فإن وضعه في المكان المحدّد له من قبل الحكيم الخبير لا بد من وجود رابط بين صدر الآية وشطرها الثاني ، ولم يشر أحد من المفسرين الذين لا يلتفتون إلى المناسبة بين الآيات إلى ذلك . ونجد الإمام الرازي - ولأنه يهتم بالمناسبة بين الآيات أوّل من التفت إلى ذلك . يقول الرازي - بعد أن ذكر أقوال المتقدمين والروايات التي ذكرها جلّ المفسرين - : ( المسألة الثانية : ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه : الأول : وهو قول أكثر المفسرين حمل الآية على هذه الأحوال التي رويناها في سبب النزول ، إلا أنه على هذا التقدير صعب الكلام في نظم الآية ، فإن القوم سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الحكمة في تغيير نور القمر فذكر اللّه تعالى الحكمة في ذلك وهي قوله : قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ، فأي تعلق بين بيان الحكمة في اختلاف نور القمر وبين هذه القصة ؟ ثم ساق وجوها من أقوال المفسرين لتوجيه هذا القول والملاءمة بين أول الآية وآخرها . ثم ذكر في ثنايا القول الثاني وجها في غاية الانسجام حيث قال : ( فجعل إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق المستقيم ) « 1 » . أي إن سؤالهم عن حادثة فلكية دقيقة قبل تمكّنهم من علم الفلك وتعاطي أسباب معرفته كمن يأتي البيت من ظهره وذلك مناقض للحكمة والبرّ .
--> ( 1 ) مفاتيح الغيب للرازي : 5 / 126 .