مصطفى مسلم
62
مباحث في التفسير الموضوعي
هذه أقوال المؤيدين للبحث عن وجه المناسبة بين الآيات في السورة الواحدة وبين السور المتعددة ، إلا أن هذا الاتجاه لم يكن مسلّما به عند جميع العلماء ، ووجد من يقول إن هذا البحث تكلّف محض تأباه طبيعة نزول القرآن منجما ، ولم ينقل شيء من ذلك عن سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين . ولعل أقدم من رفع صوته مستنكرا لهذا الأمر سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام المتوفى سنة 660 ه . ونقل السيوطي في الإتقان قوله : ( إن ربط آيات القرآن على ترتيب نزوله تكلف لا يليق ، إذ إنه يشترط في حسن الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره ، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك ، يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه ، فإن القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض ) « 1 » . كما نقل عن الإمام أبي حيان صاحب البحر المحيط كلاما شبيها بكلام العز بن عبد السلام وقد ذكر الإمام الشوكاني في تفسيره فتح القدير « 2 » ، حجج المنكرين لهذا اللون من الربط بين الآيات وأيدهم بحجج وضرب أمثلة ، ولعل أوسع مقال في ذلك ما كتبه الشيخ محمد بن عبد اللّه الغزنوي « 3 » ، وهو يرد على القائلين بوجود المناسبات . وننقل فيما يلي كلامه بتمامه لأنه يمثل وجهة نظر الرافضين : يقول الشيخ : اعلم أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته ، استغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة . . . بل
--> ( 1 ) الإتقان : 2 / 138 . ( 2 ) انظر : فتح القدير : 1 / 72 وما بعدها . ( 3 ) الشيخ محمد بن عبد اللّه الغزنوي المتوفى سنة 1296 ه ، له تعليقات على تفسير ( جامع البيان في تفسير القرآن ) للشيخ معين الدين محمد بن عبد الرحمن الحسني الحسيني الإيجي الشافعي المتوفى سنة 894 ه .