مصطفى مسلم
102
مباحث في التفسير الموضوعي
ثانيا : اهتمام القرآن الكريم بالتوحيد أكثر من الاهتمام بإثبات وجود الخالق وهذه قضية بارزة جدا يلمسها المتتبع لهدايات القرآن الكريم عند عرض قضايا الألوهية وهذا المنهج متسق تماما مع المنهج القرآني في تقرير الحقائق وتشريع الشرائع والأحكام ، فكل قضية تعتمد على رصيد الفطرة عند الإنسان يأتي التذكير بها عاما وإجمالا ، أما القضايا التكليفية التي تثار ليتوصل إليها الإنسان بعقله أو يأتي الوحي ليقرر الالتزام بها ولا تشكل الفطرة أحد مقوماتها ودوافعها ، فإن القرآن يكثر من الاستدلال عليها وتوجيه الأنظار للحكم الربانية في تقريرها ، وكثيرا ما تذكر دوافع تشريعاتها ونتائج الالتزام بها . وفي القرآن الكريم قضايا كثيرة من هذا القبيل ، فمثلا من الأمور المقررة في الشريعة أن السعي في الأرض وكسب الرزق واتباع الأسباب التي جعلها اللّه سبحانه وتعالى بين الخلائق للحصول على لقمة العيش ، هذا السعي أمر مطلوب شرعا ومن كان صاحب عيال ولديه القدرة على السعي والكسب يؤاخذ إن ترك السعي وضيع العيال . ولكننا لا نجد أن القرآن الكريم قد تعرض لهذا الجانب - طلب السعي لتحصيل الرزق والمعاش - إلا لماما ، وفي أحاديث عرضية فمثلا نجد قوله تعالى فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [ الملك : 15 ] جاء في سياق الحديث عن نعم اللّه على العباد الذي خلق لهم وسائل المعيشة وجعل الأرض ذلولة لهم لا تستعصي عليهم عند السعي عليها أو إقامة المصالح في جنباتها . . . فكل ذلك يقتضي شكر المنعم المتفضل عليهم بذلك وجاء قوله تعالى : . . . فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الجمعة : 10 ] ، جاء بعد النهي عن البيع والكسب عند النداء لصلاة الجمعة بعد قوله تعالى يا أَيُّهَا