مصطفى مسلم
88
مباحث في إعجاز القرآن
ومن ذلك الحروف المطبقة ، وهي أربعة أحرف ، وما سواها منفتحة . فالمطبقة : الطاء ، والظاء ، والصاد ، والضاد . وقد علمنا أن نصف هذه [ الحروف ] في جملة الحروف المبدوء بها في أوائل السور . وإذا كان القوم - الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب العربية وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، رأوا مباني اللسان على هذه الجهة ، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر ، على حد التصنيف الذي وصفنا - دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع التواضع عليه ، بعد العهد الطويل ، لا يجوز أن يقع إلا من اللّه عزّ وجلّ ، لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب . وإن كان إنما تنبهوا على ما بنى عليه اللسان في أصله ولم يكن لهم في التقسيم شيء ، وإنما التأثير لمن وضع أصل اللسان . فذلك أيضا من البديع الذي يدل على أن أصل وضعه وقع موقع الحكمة التي يقصر عنها اللسان . فإن كان أصل اللغة توقيفا فالأمر في ذلك أبين ، وإن كان على سبيل التواضع فهو عجيب أيضا ؛ لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم المختلفة على نحو هذا إلا بأمر من عند اللّه تعالى . وكل ذلك يوجب إثبات الحكمة في ذكر هذه الحروف على حد يتعلق به الإعجاز من وجه . وقد يمكن أن تعاد فاتحة كل سورة لفائدة تخصها في النظم ، إذا كانت حروفا ، كنحو ألم ، لأن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلعا ، واللام متوسطة ، والميم متطرفة ، لأنها تأخذ في الشفة ، فنبه بذكرها على غيرها من الحروف ، وبين أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردّد بين هذين الطرفين . ويشبه أن يكون التصنيف وقع في هذه الحروف دون الألف ، لأن الألف قد تلغى ، وقد تقع الهمزة وهي موقعا واحدا .