مصطفى مسلم
89
مباحث في إعجاز القرآن
10 - ومعنى عاشر : وهو : أنه سهّل سبيله ، فهو خارج عن الوحشيّ المستكره ، والغريب المستنكر ، وعن الصنعة المتكلّفة . وجعله قريبا إلى الأفهام ، يبادر معناه لفظه إلى القلب ، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس . وهو مع ذلك ممتنع المطلب ، عسير المتناول ، غير مطمع مع قربه في نفسه ، ولا موهم مع دنوّه في موقعه أن يقدر عليه أو يظفر به . فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل ، والقول المسفسف ، فليس يصحّ أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة ، فيطلب فيه الممتنع ، أو يوضع فيه الإعجاز . ولكن لو وضع في وحشيّ مستكره ، أو غمر بوجوه الصنعة ، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف - : لكان لقائل أن يقول فيه ويعتذر ، أو يعيب ويقرع . ولكنه أوضح مناره ، وقرّب منهاجه ، وسهّل سبيله ، وجعله في ذلك متشابها متماثلا ، وبيّن مع ذلك إعجازهم فيه . وقد علمت أن كلام فصحائهم وشعر بلغائهم لا ينفك من تصرف في غريب مستنكر ، أو وحشيّ مستكره ، ومعان مستبعدة . ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة ، ثم تحوّلهم إلى كلام معتدل بين الأمرين ، متصرف بين المنزلتين . فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل . ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما تتصرف إليه هذه القصيدة ونظائرها ومنزلتها من البلاغة ، ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها ، على وجه يؤخذ باليد ، ويتناول من كثب ، ويتصوّر في النفس كتصور الأشكال . ليتبين ما ادعيناه من الفصاحة العجيبة للقرآن . واعلم أن من قال من أصحابنا : إن الأحكام معللة بعلل موافقة