مصطفى مسلم

85

مباحث في إعجاز القرآن

يتعذر على البشر ويمتنع وذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة ، والأسباب الدائرة بين الناس ، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة ، وأسباب مؤسسة مستحدثة . فإذا برع اللفظ في المعنى البارع ، كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرّر ، والأمر المتقرّر المتصوّر ، ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه ، ويراد تحقيقه ، بان التفاضل في البراعة والفصاحة ، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى ، والمعاني وفقها ، لا يفضل أحدهما على الآخر ، فالبراعة أظهر والفصاحة أتم . 8 - ومعنى ثامن : وهو أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته ، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام ، أو تقذف ما بين شعر ، فتأخذها الأسماع ، وتتشوّف إليها النفوس ، ويرى وجه رونقها باديا غامرا سائر ما تقرن به ، كالدرّة التي ترى في سلك من خرز ، وكالياقوتة في واسطة العقد . وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير ، وهي غرّة جميعه ، وواسطة عقده ، والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه ، برونقه وجماله ، واعتراضه في حسنه ومائه ، وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح ونص ، ليتحقق ما ادّعيناه منه . ولولا هذه الوجوه التي بيناها ، لم يتحير فيه أهل الفصاحة ، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة ، والتصنع للمعارضة ، وكانوا ينظرون في أمرهم ، ويراجعون أنفسهم ، أو كان يراجع بعضهم بعضا في معارضته ويتوقفون لها . فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك ، علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور ، لعلمهم بعجزهم عنه ، وقصور فصاحتهم دونه . ولا يمتنع أن يلتبس - على من لم يكن بارعا فيهم ، ولا متقدّما في الفصاحة منهم - هذا الحال حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل ، وحتى يعرف حال عجز غيره . إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم