مصطفى مسلم
86
مباحث في إعجاز القرآن
يشتغلوا بذلك ، تحققا بظهور العجز وتبينا له . وأما قوله تعالى حكاية عنهم : لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [ الأنفال : 31 ] ، فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم ، [ وقد يمكن أن يكون قاله منهم أهل الضعف في هذه الصناعة دون المتقدمين فيها ] ، وقد يمكن أن يكون هذا الكلام إنما خرج منهم ، وهو يدل على عجزهم . ولذلك أورده اللّه مورد تقريعهم ، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز ، والضمان إلى الوفاء ؛ فلما لم يفعلوا ذلك - مع استمرار التحدّي وتطاول زمان الفسحة في إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه - علم عجزهم ، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط . ومعلوم من حالهم وحميّتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام والحيّات وفي وصف الأزمّة والأنساع والأمور والتي لا يؤبه لها ولا يحتاج إليها ، ويتنافسون في ذلك أشد التنافس ، ويتبجحون به أشد التبجح . فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته في هذه المعاني الفسيحة ، والعبارات الفصيحة ، مع تضمن المعارضة لتكذيبه ، والذب عن أديانهم القديمة ، وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم ، وتضليله إياهم ، والتخلص من منازعته ، ثم من محاربته ومقارعته . ثم لا يفعلون شيئا من ذلك ، وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل ، ويعلّلونها بالأباطيل . [ هذا محال ] . 9 - ومعنى تاسع : وهو : أن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة « 1 » وعشرون حرفا ، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة ، وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة ، وهو أربعة عشر حرفا ، ليدل بالمذكور على غيره ، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم .
--> ( 1 ) المشهور أن عدد الحروف في اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفا وعدد السور المفتتحة بالحروف المقطعة تسع وعشرون سورة . ( المؤلف ) .