مصطفى مسلم
81
مباحث في إعجاز القرآن
من باب إلى باب . ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة ، ونبين أن القرآن - على اختلاف [ فنونه و ] ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة - يجعل المختلف كالمؤتلف ، والمتباين كالمتناسب ، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد ، وهذا أمر عجيب ، تبين به الفصاحة ، وتظهر به البلاغة ، ويخرج معه الكلام عن حد العادة ، ويتجاوز العرف . 5 - ومعنى خامس : وهو أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام [ الجن ، كما يخرج عن عادة كلام الإنس ] . فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا ، ويقصرون دونه كقصورنا . وقد قال اللّه عزّ وجلّ : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء : 88 ] . فإن قيل : هذه دعوى منكم ، وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن [ الإتيان ] بمثله ، وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله ، وإن كنا عاجزين ، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة ، وأسباب غامضة دقيقة ، لا نقدر نحن عليها ، ولا سبيل لنا للطفها إليها ، وإذا كان كذلك ، لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل . قيل : قد يمكن أن نعرف ذلك بخبر اللّه عزّ وجلّ ، وقد يمكن أن يقال إن هذا الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن ، وما يروون لهم من الشعر ، ويحكون عنهم من الكلام ، وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم منقول عنهم . والقدر الذي نقلوه [ من ذلك ] قد تأملناه ، فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد فصاحة الإنس ؛ ولعله يقصر عنها ، ولا يمنع أن يسمع الناس كلامهم ، ويقع بينهم وبينهم محاورات في عهد الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات . على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان ، ولهم أشعار محفوظة مدونة في دواوينهم . قال تأبط شرّا « 1 » :
--> ( 1 ) ترجمته في الشعر والشعراء 1 / 271 ، والأبيات في حماسة ابن الشجري ص 47 .