مصطفى مسلم

80

مباحث في إعجاز القرآن

من يجوّد في الرجز ، ولا يمكنه نظم القصيد أصلا ، ومنهم من ينظم القصيد ، ولكن يقصر [ تقصيرا عجيبا ، ويقع ذلك من رجزه موقعا بعيدا . ومنهم من يبلغ في القصيدة الرتبة العالية ، ولا ينظم الرجز ، أو يقصر ] فيه مهما تكلفه أو تعمله . ومن الناس من يجود في الكلام المرسل ، فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا بيّنا ، ومنهم من يوجد بضد ذلك . وقد تأملنا نظم القرآن ، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدّمنا ذكرها ، على حدّ واحد ، في حسن النظم ، وبديع التأليف والرصف ، لا تفاوت فيه ، ولا انحطاط عن المنزلة العليا ، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا ، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب ، من الآيات الطويلة والقصيرة ، فرأينا الإعجاز في جميعها على حدّ واحد لا يختلف . وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة [ تفاوتا بيّنا ، ويختلف اختلافا كبيرا . ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة ] فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت ، بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة ، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر ، لأن الذي يقدرون عليه قد بيّنا فيه التفاوت الكثير ، عند التكرار وعند تباين الوجوه ، واختلاف الأسباب التي يتضمن . 4 - ومعنى رابع : وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بيّنا في الفصل والوصل ، والعلوّ والنزول ، والتقريب والتبعيد ، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم ، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع . ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره ، والخروج من باب إلى سواه . حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري ، مع جودة نظمه ، وحسن وصفه - في الخروج من النسيب إلى المديح . وأطبقوا على أنه لا يحسنه ، ولا يأتي فيه بشيء ، وإنما اتفق له - في مواضع معدودة - خروج يرتضى ، وتنقل يستحسن . وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء ، والتحوّل