مصطفى مسلم

79

مباحث في إعجاز القرآن

الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت ، وبان عليه الاختلال . وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره ، فتأمله تعرف الفصل . 3 - وفي ذلك معنى ثالث : وهو أن عجيب نظمه ، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين ، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها ، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج ، وحكم وأحكام ، وإعذار وإنذار ، ووعد ووعيد ، وتبشير وتخويف ، وأوصاف ، وتعليم أخلاق كريمة ، وشيم رفيعة ، وسير مأثورة ، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها . ونجد كلام البليغ الكامل ، والشاعر المفلق ، والخطيب المصقع ، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور . فمن الشعراء من يجوّد في المدح دون الهجو . ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح . ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين . ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ . ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل ، أو سير الليل ، أو وصف الحرب ، أو وصف الروض ، أو وصف الخمر ، أو الغزل ، أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام ، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وبزهير إذا رغب . ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام . ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ ، رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها ، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى ، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ، ووقف دونه ، وبان الاختلاف على شعره ؛ ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم ، لأنه لا خلاف في تقدّمهم في صنعة الشعر ، ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم . فإذا كان الاختلال يتأتى في شعرهم ، لاختلاف ما يتصرفون فيه ، استغنينا عن ذكر من هو دونهم ، وكذلك يستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها . ثم نجد من الشعراء