مصطفى مسلم

58

مباحث في إعجاز القرآن

الصرفة رافق القول بالصرفة القول بإعجاز القرآن ، بل كان هذا القول الباعث الأول للبحث في وجوه إعجاز القرآن ، ومن ثم نشوء علم البلاغة عامة . مصدر القول بالصرفة : عرف العرب في قرارة نفوسهم أن عجزهم عن أن يأتوا بمثل القرآن نابع من ذاتية القرآن . يتضح ذلك من أقوالهم المرويّة عنهم . وبقي الأمر كذلك إلى صدر العصر العباسي ، حيث أولع الناس بالفلسفة الدخيلة واطّلعوا على فلسفة الهند والفرس واليونان ، وصارت الطبقة المثقفة من غير علماء الدين شعارها الإغراب في الأقوال والأفكار ، لما وصلوا إليه من ترف عقلي . واطلع بعض المتفلسفين من علماء المسلمين على أقوال البراهمة في كتابهم « الفيدا » « 1 » ، وهو الذي يشتمل على مجموعة من الأشعار ليس في كلام الناس ما يماثلها - في زعمهم - ، ويقول جمهور علمائهم إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها لأن براهما صرفهم عن أن يأتوا بمثلها ، ولكن خاصتهم يقولون إن في مقدورهم أن يأتوا بمثلها ولكنهم ممنوعون من ذلك احتراما لها . وعندما دخلت الأفكار الهندية في عهد أبي جعفر المنصور ومن والاه

--> ( 1 ) الفيدا : يطلق على كتب الهندوس المقدسة الأربعة ، وقد يطلق على كل واحد منها على انفراد ، وكتبت هذه الأسفار باللغة السنسكريتية ويعود تاريخها إلى ما بين عام 3000 - 1000 قبل الميلاد ، ومعنى كلمة ( فيدا ) بالسنسكريتية « المعرفة » . انظر موسوعة المورد للبعلبكي 10 / 82 .