مصطفى مسلم

59

مباحث في إعجاز القرآن

من حكام بني العباس ، تلقف الذين يحبون كل وافد من الأفكار ويركنون إلى الإغراب في أقوالهم فدفعتهم الفلسفة إلى أن يعتنقوا ذلك القول ويطبقوه على القرآن - وإن كان لا ينطبق - فقال قائلهم : إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ونسجه ونظمه ، بل كان ، لأن اللّه تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله . إن رواج فكرة الصرفة يؤدّي إلى أن القرآن الكريم ليس في درجة من الفصاحة والبلاغة تمنع محاكاته ، وتعجز القدر البشرية على أن يأتوا بمثله . فالإعجاز عند القائلين بالصرفة ليس من صفات القرآن الذاتية ، وبالتالي ما دام أن بلاغة القرآن لا تزيد على بلاغة سائر الناس فمؤدّى كلامهم أن يكون القرآن من جنس كلام البشر . القائلون بالصرفة : 1 - النّظّام : أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظام البصري : اقترن اسم الصرفة باسم النظام ، واشتهر أنه أول المنادين بها والمظهرين لهذا القول . كان النظام من الموالي ، وهو ابن أخت أبي الهذيل العلّاف - أحد كبار المعتزلة - . وقيل له النظام ، لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة . تتلمذ للعلاف في الاعتزال ثم انفرد عنه وكوّن له مذهبا خاصا ، وعاشره في بغداد حينا ومات وهو شاب في نحو السادسة والثلاثين من عمره سنة 231 ه . وكان أستاذ الجاحظ . ترجم له الإمام أبو منصور البغداديّ في كتابه « الفرق بين الفرق » عند ذكره الفرقة النّظّامية فقال : ( عاشر - أي النّظام - في شبابه قوما من الثنوية وقوما من السّمنيّة القائلين بتكافؤ الأدلة ، وخالط بعد كبره قوما من ملاحدة الفلاسفة ، ثم دوّن مذاهب الثنوية وبدع الفلاسفة وشبه الملاحدة في دين الإسلام ، وأعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات ، ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفا من السيف ، فأنكر إعجاز القرآن في نظمه ، وأنكر ما روي في معجزات نبينا صلى اللّه عليه وسلم من انشقاق القمر وتسبيح الحصى في يده ، ونبع الماء