مصطفى مسلم

40

مباحث في إعجاز القرآن

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) [ يونس : 38 - 39 ] . ولقطع دابر وساوس الشيطان ونزغات أهل الباطل المرجفين ، ولكي لا يقال إن محمدا تحدّى أهل مكة ، والأمية فاشية فيهم ، ولا علم لهم بعلوم الأديان وبالأنبياء والكتب ، ولو أنه تحدّى غيرهم لأمكنهم أن يأتوا بمثل قرآنه ، كرّر في المرحلة المدنية وبين ظهراني أهل الكتاب وسجل العجز المطلق لكل المخلوقين إلى يوم القيامة . ولا زالت أصداء هذا التحدّي مستمرة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، وستبقى أصداؤه في أذن الزمن على مر العصور ليبرهن على خلود الرسالة وصدق صاحبها : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 ) [ البقرة : 23 - 24 ] . من هذا العرض الموجز لمراحل التحدّي نجد أن التحدّي استقر على تحديهم بأن يأتوا بمثل سورة من القرآن الكريم . وبما أن السورة جاءت بلفظ نكرة ( بسورة ) فهي تشمل كل سورة في القرآن طويلة أو قصيرة ، فيكون القدر المعجز من القرآن هو السورة من القرآن الكريم طويلة أو قصيرة . هذا هو رأي جمهور العلماء إلا أن بعضهم زاد على ذلك : أن مقدار السورة القصيرة وهي ثلاث آيات معجز أيضا . ونقل عن بعض المعتزلة قولهم : إن الإعجاز يتعلق بجميع القرآن لا ببعضه . وهذا الرأي مصادم لآيات التحدّي التي تدرّجت في التحدّي بكل القرآن إلى التحدّي بعشر سور إلى التحدي بسورة واحدة . وذهبت طائفة أخرى إلى أن الإعجاز في القليل والكثير من القرآن دون تقييد بسورة . واستدلوا بظاهر قوله تعالى : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [ الطور : 34 ] . وقالوا المقصود بالحديث : أيّ كلام يفيد معنى سواء كان آية أو أكثر أو أقل .