مصطفى مسلم
41
مباحث في إعجاز القرآن
ورأي الجمهور هنا هو الذي يظاهره ويؤيده ظاهر مراحل التحدّي فيه إلا أنّ لنا ملاحظة على القياس الذي زاده بعضهم وهو ( مقدار السورة الواحدة ) فالمقرر لدى الجمهور أنّ السورة جاءت منكّرة فشمل السور الطويلة والقصيرة . وأقصر سورة في القرآن الكريم مقدارها ثلاث آيات ، فهل كل ثلاث آيات في السور الطوال - أو التي تزيد آياتها على ثلاث - هي معجزة بغضّ النظر عن ارتباط هذه الآيات ببعضها ، أو وحدة موضوعها وهدفها ؟ . إننا نجد كثيرا من الآيات المفردة في القرآن تزيد على كثير من السور القرآنية القصيرة ، وإننا نلاحظ أن للسورة القرآنية شخصية وذاتية مستقلة تختلف من حيث الأداء والمقاطع والمفاصل عن غيرها من السور ، وإن كانت متشابهة في الموضوع والهدف . ولعل هذا دفع بعض العلماء إلى تعريف السورة بقولهم : « السورة : قرآن يشتمل على آي ، ذي فاتحة وخاتمة ، وأقلّها ثلاث آيات ) « 1 » . وهذه الفاتحة والخاتمة ووحدة الشخصية واستقلالها لا نجدها في الآية الواحدة ، أو حتى في الآيات المتعددة أحيانا . وهذه الميزات بارزة في السور القصيرة أكثر من غيرها لو تدبّرناها لوجدنا أنها تضاهي الطوال رباطا ونظاما ، فإن دقة العلاقة ولطافة الرباط في آيات القصار مثل ما هي في الطوال . والسورة القصيرة قد تضمنت في الغالب أصول الدين ونبهت على أسس العقيدة ، لذا نجد في بعض الآثار وصف بعضها بأنها تعدل ثلث القرآن أو نصفه أو ربعه وما ذلك إلا لأن ألفاظها القليلة تضمنت حقائق ضخمة عامة . والحكمة في تضمّن هذه السور مثل هذه الأمور العظام - واللّه أعلم - هي أن أصول الدين وأسس العقيدة تشتدّ الحاجة إلى حضورها في القلوب وسيطرتها على الأفكار ، فأودعت في كلمات مختصرة تامة لتكون
--> ( 1 ) « جمهرة البلاغة » لعبد الحميد الفراهي ، ص 69 .