محمد علي الأشيقر

96

لمحات من تاريخ القرآن

انتقال الدعوة والثورة من عهد السكون والتخفي إلى عهد الحركة والمجابهة ، لذا فقد توجه الرسول ( ص ) إلى جبل الصفا بمكة ووقف على قمته ثم هتف برفيع صوته : « يا معشر قريش . . يا معشر قريش . . . » فاجتمعت جموع البلد وفرسان قريش من كل حدب وصوب ، ثم استأنف الرسول ( ص ) قوله : « يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم تصدقوني . . ؟ » فأجابت جموع قريش المحتشدة : « نعم أنت عندنا غير متهم وما جرّبنا عليك كذبا قط » فقال النبي ( ص ) : « إذن فاسمعوا أني نذيركم بين يديّ عذاب شديد ، إن اللّه أمرني أن أنذركم وعشيرتي الأقربين واني لا أملك من الدنيا منفعة ولا من الآخرة إلا أن تقولوا لا إله إلا اللّه » . . وكان عمه أبو لهب « 10 » من الحاضرين فأجاب غاضبا : « ألهذا جمعتنا هذا اليوم تبا لك ، تفرّقوا أيها الناس عن هذا الضال ولا تعيروا لقوله أذنا واعية أو كبير أهمية » فتفرّق القوم هنا وهناك . . ومرة ثانية يدعو ( ص ) عشيرته وأقاربه لمأدبة أعدها الإمام علي - ع - في بيت أبيه أبي طالب وبعد اكتمال نصابهم وانتظام جمعهم الذي بلغ الأربعين فردا خطبهم الرسول ( ص ) فقال : « ألا وان الرائد لا يكذب أهله ، واللّه لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن كما تعملون ولتجزون بالإحسان احسانا وبالسوء سوءا وأنها لجنة أبدا أو نارا أبدا . . » ثم أضاف ( ص ) : « يا بني عبد المطلب إني واللّه ما اعلم

--> ( 10 ) رغم ان أبا لهب هو عم الرسول ( ص ) إلا أن هذه القرابة لا تغني عن اسلامه شيئا ، فالإسلام هو المعول عليه في الإكرام والقرابة وهو الحجر الأساس في رفعة الفرد وعزته لا أي اعتبار آخر وفي هذا المعنى قال الشاعر : لقد رفع الإسلام سلمان فارس * وقد وضع الشرك الشريف أبا لهب كما وقال شاعر آخر في هذا المعنى : كانت مودة سلمان لهم رحما * ولم يكن بين نوح وابنه رحم