محمد بن لطفي الصباغ
61
لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير
وقد جلا هذه الناحية على خير وجه الأستاذ سيد قطب فقال : ( لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة وينشئ مجتمعا ، ويقيم نظاما ، والتربية تحتاج إلى زمن ، وإلى تأثير وانفعال بالكلمة ، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع . والنفس البشرية لا تتحول تحولا كاملا شاملا بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد . إنما تتأثر يوما بعد يوم بطرف من هذا المنهج وتتدرج في مراقيه رويدا رويدا . وتعتاد على حمل تكاليفه شيئا فشيئا . فلا تجفل كما تجفل لو قدّم لها ضخما ثقيلا عسيرا ، وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح بالتالي أكثر استعدادا للانتفاع بالوجبة التالية ، وأشد قابلية لها والتذاذا بها . ولقد جاء القرآن بمنهاج كامل شامل للحياة كلها ، وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها ، فجاء لذلك منجما وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة ، وهي في طريق نشأتها ونموها ووفق استعدادها الذي ينمو يوما بعد يوم في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق ، جاء ليكون منهج تربية ومنهاج حياة ، لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد اللذة أو لمجرد المعرفة . . جاء لينفذ حرفا حرفا ، وكلمة كلمة وتكليفا تكليفا ، جاء لتكون آياته هي ( الأوامر اليومية ) التي يتلقاها المسلمون في حينها ليعملوا بها فور تلقيها ، كما يتلقى الجندي في ثكنته أو في الميدان ( الأمر اليومي ) مع التأثر والفهم والرغبة في التنفيذ ، ومع الانطباع والتكليف وفق ما يتلقاه . . . من أجل هذا كله نزل القرآن مفصلا ) « 1 » . لقد كان الناس في جزيرة العرب قبل الاسلام في شرك وجهالة ، وبعد عن ذاك المستوى الرفيع الذي جاء في القرآن من توحيد اللّه وعبادته وحده ، وإرادة الخير للناس ، وتحريرهم من الظلم ، وكان العالم كله في حالة
--> ( 1 ) « في ظلال القرآن » 19 / 34 .