محمد بن لطفي الصباغ

62

لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير

انحلال وجور وجهل ، وكان أهل الكتاب قد حرّفوا كتبهم ، وأحلوا الخرافات والباطل مكان الحق . . فكان طبيعيا جدا ان يكون الكتاب الأخير آخذا بمنهج التدرج في التشريع لإصلاح ذلك الواقع قال تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا « 1 » . والتدرج في التشريع وسيلة رعاية المجتمع الاسلامي ، والأخذ بيده كما رأينا ، ومن أبرز الأمثلة على التدرج في التشريع الآيات التي ذكر فيها الخمر . فلقد حرمت الخمر بعد ان امتلأت نفوس المسلمين مخافة من اللّه ورغبة في ثوابه ، وحبا في التزام هديه . وكان تحريم الخمر على مراحل كما هو معروف : - نزل أولا قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما « 2 » . فلم تصرح الآية بطلب الكف عنهما ، ولكنها اكتفت بذكر ان اثمهما أكبر من نفعهما ، وفي ذلك تهيئة النفس لقبول ما سينزل من الآيات بحقهما . - ثم نزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ « 3 » . وفي هذه الآية نجد المنع مؤقتا بحالة السكر . ومعلوم ان المسلم مكلف بالصلاة في أوقات متقاربة ، لا يذهب خلالها أثر السكر ، فكان ذلك سببا في تركها سحابة النهار ، وكانوا إذا صلوا العشاء سكر من أراد منهم السكر . وفي ذلك تدريب على تركها مدة طويلة من يقظة الانسان .

--> ( 1 ) سورة الإسراء : 106 . ( 2 ) سورة البقرة : 219 وانظر « تفسير القرطبي » 3 / 52 . ( 3 ) سورة النساء : 43 .