محمد بن لطفي الصباغ
134
لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير
وان الناس لا يخفى عليهم الحال ، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول ، وأن تجعل اللام على صورة الكاف ، وأن تعوج الألفات ، وأن يكتب على غير هذه الوجوه ، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين ، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة ، وجاز أن يكتب بين ذلك . وإذا كانت خطوط المصاحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة وكان الناس قد أجازوا ذلك ، وأجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته ، وما هو أسهل وأشهر وأولى من غير تأثيم ولا تناكر ، علم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص ، كما أخذ عليهم في القراءة والأذان . والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز ، فكل رسم دال على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكتابة به على أي صورة كانت . وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب ان يقيم الحجة على دعواه . وانى له ذلك ؟ ) « 1 » . وقال ابن خلدون : ( كان الخط العربي لأول الاسلام غير بالغ إلى الغاية من الاحكام والاتقان والإجادة ، ولا إلى التوسط ، لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع ، وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف ، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم ، وكانت غير مستحكمة في الإجادة ، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها ، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخير الخلق من بعده ، المتلقون لوحيه من كتاب اللّه
--> ( 1 ) « الانتصار » للباقلاني وقد نقلت هذا الكلام من مقدمة « تفسير المراغي » 1 / 13 - 14 .