احمد حسن فرحات

225

في علوم القرآن

ثم إن هذا الذي توصلنا إليه هو الذي يتفق مع الأمر بتدبر القرآن والتفكر في آياته ، فلو كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قد بيّن كل معاني القرآن وفسره كاملا ، لما كان هناك معنى للأمر بالتدبر والتفكر ، ولا اكتفى المسلمون بما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك ، علما بأن هذا لم يحدث ، بل الذي حدث هو عكس ذلك تماما ، حيث اجتهد الصحابة ومن بعدهم من المسلمين في فهم القرآن وتفسيره ، وذكروا معاني لم تؤثر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكانت لهم في ذلك أقوال ووجهات نظر ، مما يدل على أنهم أعملوا عقولهم في فهم القرآن واستنباط معانيه . وأما ما استدل به الفريق الثاني من حديث عائشة من أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يفسر شيئا من القرآن إلّا آيا بعدد علّمه إياهنّ جبريل ، فإنه حديث لا يصح وقد طعن فيه العلماء ، وأما ما ذكروه من دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم لابن عباس بأن يعلّمه اللّه التأويل فإنه يلتقي مع الفكرة التي انتهينا إليها من أن من القرآن ما ترك للمسلمين ليتفكروا فيه ويستنبطوا . وخلاصة الكلام أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد بيّن لأصحابه من القرآن ما يتوقف فهمه على بيان النبي ، وذلك كتبيين المجملات التي لم يفصّلها القرآن ، وكشرح الألفاظ والمعاني التي أشكل فهمها على بعض الصحابة وكتخصيص العام ، وتقييد المطلق ، وفيما يلي أمثلة لذلك : - فمن بيانه للمجمل مواقيت الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وكيفيتها ، وبيانه لمقادير الزكاة وأوقاتها وأنواعها ، وبيانه لمناسك الحج وأمثال ذلك . - ومن بيانه للمشكل تفسيره للخيط الأبيض والخيط الأسود من الفجر بأنه بياض النهار وسواد الليل .