احمد حسن فرحات

224

في علوم القرآن

للوهلة الأولى أن العلماء فيها على طرفي نقيض ، وأن الجمع بين القولين متعذر ، وأنه لا مناص من القول بأحدهما . غير أننا لو تأملنا في الأدلة التي استدل بها كل فريق ودققنا فيها النظر ربما أمكننا الوصول إلى قول وسط بين القولين . إن ما جاء في قول ابن تيمية من أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه ، ليس نصا في أنه بيّن لهم كل معاني القرآن . فكلمة « كل » ليست من كلام ابن تيمية ، وإنما هي مما أضافه الناقلون لكلام ابن تيمية ، ويمكن أن تحمل عبارة ابن تيمية على أن النبي قد بيّن لأصحابه معاني القرآن التي تحتاج إلى بيان . أما المعاني المفهومة للصحابة ، فلا شك بأنها لا تحتاج إلى بيان ، لأن البيان في مثل هذه الحالة تحصيل للحاصل ، كذلك الاستدلال بالآية وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( 44 ) [ النحل ] ليست قاطعة في أنه بيّن لهم كل معاني القرآن ، وإنما تحمل أيضا على ما لا يمكن فهمه إلا عن طريق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ومما يدل لذلك ويؤكده تتمة الآية المستشهد بها حيث جاء فيها : وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) [ النحل ] فهناك إذن ما يبينه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وهناك ما يعرف عن طريق الفكر والتدبر . ثم إن ما جاء في كلام ابن تيمية بعد ذلك فيه تفريق بين « المعنى » و « التدبر » و « العقل » بينما التفسير شامل لكل ذلك ، ويبدو من خلال ما أورده ابن تيمية أنه يريد بالمعنى معاني الألفاظ والكلمات ، ويريد بالتدبر والعقل المراحل التالية لمعرفة معاني المفردات ، وإذا صح ما استنبطناه ، فمن المعلوم أن معاني الكلمات معروفة للصحابة ، إلا ما استشكل منها ، كما وردت الروايات بذلك ، ولا شك بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد بين هذا المشكل وقد نقل إلينا .