احمد حسن فرحات

217

في علوم القرآن

وقد علم أن قوله تعالى : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ( 57 ) [ الأنفال ] ، وقوله : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ( 58 ) [ الأنفال ] من أشرف كلام ، ولا حظّ في معرفته لمن لم يتوفر نصيبه من البلاغة . . . ثم إن القرآن وإن كان في الحقيقة هداية للبشرية ، فإنهم لم يتساووا في معرفته ، وإنما يحيطون بحسب درجاتهم واختلاف أحوالهم « 1 » . . . الحاجة إلى التفسير : لقد بدأت الأمة الإسلامية مسيرتها نحو مشرق الشمس يوم أن هبط جبريل الأمين بالوحي الإلهي على قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو يتحنث في غار حراء ، وكانت كلمة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق ] هي الإكسير الذي بدأ يفعل فعله في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم في حياة من استجاب لدعوته من أمته ، وانتقلت هذه الأمة بتأثير القرآن وقوته الفاعلة من الجاهلية إلى الإسلام ، فكانت أول أمة تولد من خلال نصوص كتاب ، وتنبثق من بين حروفه وكلماته ، وتقوم على إيحاءاته وتوجيهاته ، ثم تخرج به إلى الناس وحيا إلهيا يحرك القلوب ، ويهز النفوس ، ويعيد صياغة الحياة وصناعة التاريخ . ولقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم حريصا على هذه الطاقة أن تتبدد ، أو يقلّ تأثيرها في نفوس أصحابه فقصرهم على الاستمداد منها ، والاستقاء من معينها ، ونهاهم عن الالتفات إلى غيرها ، والتطلع إلى سواها . ولقد كان العرب في عصر نزول القرآن في مستوى من اللغة يمكنهم من التفاعل مع النص القرآني ، والاستجابة لدلالته وإيحاءاته ، والتأثر

--> ( 1 ) المصدر السابق : 45 ، 46 بتصرف واختصار .