محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
77
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
به من تلقاه سماعا ، مع كون زيد كان يحفظ ، فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط والإتقان « 1 » » . وهكذا أدى عمل أبي بكر هذا إلى جمع القرآن بأدق وسائل التحري والضبط ، مما جعل الكتاب الكريم في مأمن من ضياع أقسام منه بوفاة حفاظها ، أو بفقدان سجلاتها . ولم تكن السجلات الأولى مما يتسنى حفظه في سهولة ويسر ، نظرا لاختلاف مواد الكتابة من عسب ولخاف وأكتاف وغير ذلك ، وإلا فكيف يتسنى أن تنظم هذه السجلات معا لتكون مرجعا يطلع الناس فيه على كتاب اللّه . وقد صور الحارث بن أسد المحاسبي جمع أبي بكر القرآن بقوله : « كتابة القرآن ليست محدثة ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب ، وإنما أمر الصدّيق بنسخها من مكان إلى مكان ، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيها القرآن منتشرا ، فجمعها جامع ، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء « 2 » » . عثمان بن عفان وجمع المصاحف : اتسعت رقعة الأمصار الإسلامية في عهد عثمان . لقد حملت الغزوات المسلمين إلى أراض جديدة ، وتفرق بعض الصحابة في الأمصار . وتعلم أهل كل مصر من هذه الأمصار قراءة القرآن على يد الصحابي الكبير الذي أقام بينهم ، فاتفق أهل الكوفة على مصحف ابن مسعود وأهل البصرة على مصحف أبي موسى الأشعري ، وأهل الشام على مصحف أبيّ بن كعب وأهل دمشق على مصحف المقداد بن الأسود . وكان بين هذه المصاحف خلاف في القراءة . فلما اجتمع أهل العراق وأهل الشام لغزو ثغر أرمينية وآذربيجان ظهر الخلاف بينهم في القراءات ، وأنكر بعضهم على بعض ما كانوا يقرءونه . وشهد ذلك حذيفة بن
--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان ، ج 1 ، ص 58 . ( 2 ) الزركشي : البرهان ، ج 1 ، ص 238 .